ابن قيم الجوزية
476
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وعن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه ، قال : « سرّحتني أمي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أسأله . فأتيته فقعدت . قال : فاستقبلني ، فقال : من استغنى أغناه اللّه ، ومن استعفّ أعفّه اللّه . ومن استكفى كفاه اللّه . ومن سأل وله قيمة أوقية ، فقد ألحف . فقلت : ناقتي هي خير من أوقية . ولم أسأله » رواه الإمام أحمد وأبو داود « 1 » . وعن خالد بن عدي الجهني رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من جاءه من أخيه معروف ، من غير إشراف ولا مسألة . فليقبله ولا يرده . فإنما هو رزق ساقه اللّه إليه » رواه الإمام أحمد . فهذا أحد المعنيين في قوله : « إن من شرط الرضى : ترك الإلحاح في المسألة » وهو أليق المعنيين وأولاهما . لأنه قرنه بترك الخصومة مع الخلق . فلا يخاصمهم في حقه . ولا يطلب منهم حقوقه . والمعنى الثاني : أنه لا يلحّ في الدعاء . ولا يبالغ فيه . فإن ذلك يقدح في رضاه . وهذا يصح في وجه دون وجه . فيصح إذا كان الداعي يلح في الدعاء بأغراضه وحظوظه العاجلة . وأما إذا ألح على اللّه في سؤاله بما فيه رضاه والقرب منه : فإن ذلك لا يقدح في مقام الرضى أصلا . وفي الأثر « إن اللّه يحب الملحين في الدعاء » وقال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه - يوم بدر - للنبي صلى اللّه عليه وسلم : « يا رسول اللّه ، قد ألححت على ربك . كفاك بعض مناشدتك لربك » فهذا الإلحاح عين العبودية . وفي « سنن ابن ماجة » من حديث أبي صالح عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من لم يسأل اللّه يغضب عليه » . فإذا كان سؤاله يرضيه لم يكن الإلحاح فيه منافيا لرضاه . وحقيقة الرضى : موافقته سبحانه في رضاه . بل الذي ينافي الرضى : أن يلح عليه . متحكما عليه ، متخيرا عليه ما لم يعلم : هل يرضيه أم لا ؟ كمن يلح على ربه في ولاية شخص ، أو إغنائه ، أو قضاء حاجته . فهذا ينافي الرضى ، لأنه ليس على يقين أن مرضاة الرب في ذلك . فإن قيل : فقد يكون للعبد حاجة يباح له سؤاله إياها . فيلح على ربه في طلبها حتى يفتح له من لذيذ مناجاته وسؤاله ، والذل بين يديه وتملقه ، والتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده ، وتفريغ القلب له ، وعدم تعلقه في حاجته بغيره - : ما لم يحصل له بدون الإلحاح . فهل يكره له هذا الإلحاح . وإن كان المطلوب حظا من حظوظه ؟ قيل : هاهنا ثلاثة أمور : أحدها : أن يفنى بمطلوبه وحاجته عن مراده ورضاه ، ويجعل الرب تعالى وسيلة إلى مطلوبه ، بحيث يكون أهم إليه منه . فهذا ينافي كمال الرضى به وعنه . الثاني : أن يفتح على قلبه - حال السؤال - من معرفة اللّه ومحبته ، والذل له ، والخضوع والتملق : ما ينسيه حاجته . ويكون ما فتح له من ذلك أحب إليه من حاجته ، بحيث يحب أن تدوم
--> ( 1 ) عزاه الحافظ ابن حجر في الفتح إلى النسائي .